النويري

373

نهاية الأرب في فنون الأدب

إليه جبريل ، فضربه بخافقة جناحه فهدمه ، وهام من كان حوله على وجهه ، وقد تبلبلت ألسنتهم من الدّهش والذّعر ، فكانت عنه هذه اللغات التي يتكلم بها سائر الأمم ، وهى اثنتان وسبعون لغة ، وسميت تلك الأرض التي كان بها بابل . ذكر خبر إرم ذات العماد وهى التي ذكرها اللَّه عز وجل في كتابه العزيز ، فقال تعالى : * ( ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ ) ) * . وكان سبب عمارتها أن شدّاد بن عاد بن إرم لما سمع وصف الجنة سوّلت له نفسه أن يبنى مثلها . فبنى مدينة بين حضرموت وصنعاء ، طولها اثنا عشر فرسخا ، وعرضها مثل ذلك . وأحاط بها سورا ارتفاعه خمسمائة ذراع ، غشّاه بصفائح الفضة المموّهة بالذهب ، فلا يدركه البصر إذا أشرقت عليه الشمس . وبنى داخلها مائة ألف قصر ( بعدد رؤساء أهل مملكته ) من الذهب والفضّة ، وكذلك جذوع سقوفها وأعمدتها . وأجرى في وسطها نهرا صفّح أرضه بالذهب ، وجعل على حافتيه أنواع الجواهر واليواقيت بدلا من الحصباء وألقى فيه المسك والعنبر بدلا من الحمأة . وفرّع منه جداول إلى تلك القصور والمنازل ، وغرس على شطوطها من الأشجار ما كان لزهره عرف طيّب ورائحة ذكيّة . زعموا أنه أقام في بنائها ثلاثمائة سنة ، فلما تمّ بناؤها ، زاد في طغيانه وخرج من حضرموت إليها ليسكنها . فلما أشرف عليها جاءته صيحة من السماء فأهلكته هو وجنوده .